تعقيب وخواطر من وحي سيرة الأستاذ الدكتور محمود الجليلي . . . د. عمر الكبيسي

الأخوة والأحبة والزملاء : اكتب هذه السطور وكلي أمل ان يكون الأستاذ الدكتور محمود الجليلي حياً يرزق كما تركته في بغداد عام 2005 لا كما كتبت أحدى الزميلات حول وفاته إذ لم توثق صحة الخبر من غير هذا المصدر .

أجد نفسي مضطراً للكتابة عن شخصية الأستاذ محمود الجليلي بسبب تطرق بعض الزملاء لسيرته مؤخراً على هامش التعقيب على كتاب الطب العراقي المعاصر للأستاذ الدكتور فرحان باقر وما ذكر في مسودة الكتاب حوله.

 حينما كنا طلاباً في كلية الطب كانت مجرد رؤية الأستاذ الجليلي أو مروره في الردهات أو مدخل قاعة التدريس يضفي نوعا من الرهبة والصمت والدخول في قاعة الدرس بكل هدوء بسرعة وهدوء. درَّسنا الأستاذ الجليلي وألقى على دورتنا محاضرات أمراض القلب كان ذلك عامي 1965 و1966 وربما كانت هذه السنتين آخر مرحلة من سنوات استمراره بمهمة التدريس بعد ان كلِّفَ بإشغال مواقع أخرى لكنه أيضا شارك في امتحاننا النهائي عام 1968 ومع ما كانت تعكسه شخصية الأستاذ الجليلي من روح ضبط وجدية فذة في قاعات التدريس ومتابعة مقدار الإفادة من المحاضرة بتخصيص وقت قصير في بدء المحاضرة بإختيار أسماء عشوائية من سجل الطلبة الحاضرين أمامه يوجه لهم أسئلة سريعة تعطيه انطباع عن مدى استيعاب محاضرته السابقة ومع ما يتركه ذلك من توجس لدى الطلاب فأنا أعده محاضرا من الطراز الأول ومحاضراته موسوعية وتعليمية يتطرق خلالها لذكر سير أعلام الطب في العالم كسرفيسس وجون هنتر وإيفانز وبووليود والاستشهاد بانجازات برموز الطب العربي كابن النفيس واكتشافه للدورة الدموية وتاريخ اللغات وكثير من مواضيع كان يتطرق إليها مروراً كانت مفيدة وظلت راسخة في العقل نتندر بها نحن طلابه كما كان حريصا على متابعة التدريب العملي في الردهات وحضور الأساتذة والطلاب وله شخصية إدارية وضبطية تفرض احترامها وهيبتها. أما طبيعته في الامتحانات النهائية فالمعروف عنه انه ليس بالصعب وفي معظم الامتحانات يكون هو آخر من يسأل بعد أن يكون قد كون فكرة واضحة عن إجابات الممتحن الشفهية ودرجاته السريرية والفصلية والنظرية وللتاريخ أذكر ان من بين كل المحاضرين الأجلاء في موضوعات الطب النظري كان محاضرات الجليلي ومحاضرات الأستاذ الدكتور محمود ثامر في أمراض الكلى في حينها من أروع ما أنصتنا ووثقنا من محاضرات في سنوات الكلية كلها.

 بعد التخرج سألني يوم كنت مقيما في مدينة الطب في وحدة الطب الثالثة في الطابق السابع عام 1973 الأستاذ الرائع المرحوم الدكتور بديع صبحية في معرض حديث عابر عن اللغة والتاريخ كيف وجدت الأستاذ الجليلي وما رأيك به؟ فذكرت له رأيي فيه وكأنه عرف عمق انطباعي عن جديته ووحدانيته حيث بقى عازفا عن الزواج متفرغاً لمهنته فقال لي بالنص : كان يجب ان تتعرف على الجليلي من خلال حياته الخاصة و أمسياته وجلساته الاجتماعية , ليس هناك أروع من نكاته ولطائفه ومجالسته وإبداعه بالتصوير و توثيق جلساته مع إني كنت أذكر أن الأستاذ الجليلي منذ أن كنا طلابا كان حريصا على مراقبة ومتابعة المرحوم بديع صبحية وحضوره للتدريس في الردهات ودوامه فيها.

شاءت الصدف أن تتطور علاقتي وعن رغبة جادة بالأستاذ الجليلي في وسط الثمانينات 

وأنا في مستشفى الرشيد العسكري في شعبة أمراض القلب حيث كان يتابع برعاية وعطف وحنان كبير حالة احد ابناء أخيه المرضية والذي يعتبره إبناً له وولي أمره حيث كان والده متوفيا ومع أن حالة ابن أخيه مطمئنة وغير خطيرة إلا إني قرأت الحنان والعاطفة وشاهدت الدموع التي كان يذرفها أستاذنا طيب الذكر الجليلي على حالة ابن أخيه وقلقه عليه وما كدت اصدق أن يجمع الجليلي بين هذا العطف المترامي والعبرة الدامعة وبين تلك الصرامة والهيبة التي عهدته عليها منذ ان كنا طلابا وتجادلنا في وقتها عن أهمية إجراء القسطرة وتحدثنا عن التطور الكبير الحاصل في أمراض القلب وعلاجها فتعلقت به أشد أنواع التعلق ولست ابالي حين أقول إنني كنت حريصا بعدها لقبول كل دعوات كلية طب الموصل للمشاركة فيها وما يتيحه حضوري من فرص لزيارة الأستاذ الجليلي في داره والتلذذ بحديثه والاستماع إلى أراءه وانطباعاته وتطورت هذه العلاقة بعدها من خلال زياراته لي كلما جاء إلى بغداد لحضور جلسات المجلس العلمي العراقي في مركز صدام لجراحة القلب مابين عام 1993 ولغاية إعفائه من عضوية المجلس العلمي كما كنت أزوره كذلك في داره في الوزيرية وأتمتع برفقته وبقيادته لسيارته القديمة المجنحة الشوفرليت البيضاء موديل عام 1955 والتي كانت تبدو بعد كل هذه العقود من الزمن بكامل رتابتها وهيئتها ونشوته واعتزازه بها والتي كانت تجلب أنضار الجميع وهي راكنة في مركاب السيارات في المركز.

تركت بغداد عام 2005 بعد الاحتلال مهجراً ومهاجراً وكان الجليلي واحدا من الرموز العلمية والطبية التي كانت لقاءاتي بهم ومتابعتي لأحوالهم الصحية والاجتماعية من أروع ساعات السعادة والشعور بالواجب ورد الجميل التي قدمها هذا الطبيب الجليل وغيره من الرموز كخالد ناجي وعزيز شكري ولميعة البدري وعبد اللطيف البدري وعبد الكريم هاني وتحرير الكيلاني وخالد القصاب وقيس كبه وإبراهيم طه وعدنان سرسم وعزت مصطفى ومحمد علي خليل وقيس كبه وجعفر الكويتي وقبلهم المرحومين يوسف النعمان ومؤيد العمري ومصطفى النعمة والخضار وفريد بني وسالم الدملوجي والذين كنت أجد في لقائهم والحديث معهم فرصا لا تثمن.

وعندما انعقد المؤتمر العلمي عام 2000 لمركز صدام لجراحة القلب في قصر المؤتمرات وكان حينها الجليلي قد انقطع عن مزاولة الطب وخفت اسمه بين الرواد لانشغاله في الزراعة في الموصل لم أجد أفضل من اختيار الجليلي ليلقي محاضرة الافتتاح للمؤتمر بمحاضرة عن تاريخ ومسيرة أمراض القلب وتاريخها في العراق وكم كان رائعا عندما اشهر بحثه المنجز والمنشور عام 1955 في احد مؤتمرات أمراض القلب في أميركا عن حالات الذبحة الصدرية وأمراض الشرايين التاجية في العراق ولعله ولعلمي كان أول بحثا منشورا في منطقة الشرق الأوسط عن هذا الموضوع في حينه وقد تم تكريمه في هذا المؤتمر وقلده الأستاذ طارق عزيز(فك الله أسره) وسام المركز تكريما له على منصة قاعة الافتتاح في حينها.

لم يكن الجليلي مداهناً في علمه او تدريسه وما كان ليرعوي لوساطات المسؤولين والرؤساء للتوسط في النتائج أو التعينيات والقصص والمساجلات التي سمعتها من زملاء له في حينها موثقة لدي, علميا ً ورصانةً سريرية يعد الجليلي لامعاً وبارزاً وقد شغل 

عمادة كلية الطب ورئاسة جامعة الموصل وتبوء مقعداً في المجلس العلمي العراقي وساهم في تعريب المصطلح الطبي العربي إسهاماً رائعاً وهو المشهود له بصلابة الموقف وحكمة الرأي وغنى النفس وحرصه الكبير على خدمة التعليم ومهنة الطب بكل تجرد وإخلاص , وأنا لا أحسب من الإنصاف أن يذكر الجليلي إلا بما تقدم من ذكر عندما نريد أن نكتب عن هذا العالم الجليل بتجرد وإنصاف.

هذه نبذة أردت من خلالها ان استعرض فيها الحديث عن شخصية فذة من اعلام الطب العراقي المعاصر الذي يكتب عنها أستاذي الدكتور فرحان باقر والتي اثارت بعض الجدل حول الجليلي اكتبها بتجرد وحرص وهو يعرف جيدا مدى تعلقي برموز الطب المعاصرين وتقديري لهم وهو واحد من الذين اهتم بمتابعة أحوالهم وصحتهم وتمتعي بلقياهم وهم خارج العراق ومنهم الأستاذ الدملوجي والأستاذة لمعان أمين ومحمد حسين السعدي وجورج فرج وماركريت شكري ومهدي فوزي وفوزي وصفي وغيرهم لأني من جيل تعلم على أيديهم وأدرك أهمية ما قدموا من عطاء وما في لقاءهم وخدمتهم من وفاء.

في 28 حزيران. عمان 2010. 

هذه التدوينة كُتبت في التصنيف سياسية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


− three = 1

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>